24 - مايو - 2026

   

عدنان يوسف: رحلتي المصرفية تجاوزت أربعة عقود وأسهمت في تأسيس «مجموعة البركة المصرفية»

في حوار خاص لـ«الأيام»، يستعرض المصرفي البحريني البارز عدنان يوسف أحمد مسيرة مهنية امتدت لأكثر من 45 عامًا في القطاع المصرفي، بدأها منذ عام 1973 متنقلًا بين عدد من أبرز المؤسسات المالية، وصولًا إلى مشاركته في تأسيس المؤسسة العربية المصرفية «ABC» ودوره المحوري في بناء مجموعة البركة المصرفية وتحويلها إلى واحدة من أبرز المجموعات المصرفية الإسلامية في العالم.

ويتناول الحوار تطور القطاع المصرفي البحريني والدور التاريخي الذي لعبته البحرين كمركز مالي إقليمي في تمويل المشاريع الكبرى وإدارة القروض المشتركة، إضافة إلى ريادتها المبكرة في التكنولوجيا المالية وتطوير الخدمات المصرفية الرقمية.

كما يسلط الضوء على تجربته في تطوير الصناعة المصرفية الإسلامية، وأبرز الجوائز والأوسمة التي حصل عليها، وفي مقدمتها وسام جلالة الملك ورئاسته لاتحاد المصارف العربية بصفته أصغر رئيس للاتحاد.
ويتحدث عدنان يوسف أيضًا عن دعمه للكفاءات البحرينية وإيمانه بقدرة الشباب البحريني على قيادة القطاع المالي، إلى جانب قصة تأسيس شركته الاستشارية «لمرير» المستوحاة من الإرث البحري الخليجي.

■ بدايةً، نود العودة إلى البدايات.. كيف انطلقت رحلتكم الطويلة في القطاع المصرفي؟
- مشواري المصرفي بدأ عام 1973، وكانت البداية مع «حبيب بنك»، حيث عملت هناك لمدة سنة ونصف تقريبًا. في تلك الفترة كان «حبيب بنك» يُعتبر من أكبر وأهم البنوك العاملة في المنطقة، وكانت التجربة الأولى بالنسبة لي بمثابة المدرسة التي تعلمت فيها أساسيات العمل المصرفي والانضباط المهني.
بعدها انتقلت إلى البنك الأمريكي، وبقيت فيه ما يقارب خمس إلى ست سنوات، وكانت تلك المرحلة مهمة جدًا لأنها عرّفتني على الثقافة المصرفية الأمريكية الحديثة، خصوصًا في ما يتعلق بالإدارة والأنظمة والتعامل مع الموظفين. البنوك الأمريكية في ذلك الوقت كانت تمتلك بيئة عمل مختلفة؛ كانت تعتمد على إعطاء الموظف مساحة للتفكير والمبادرة، بغض النظر عن منصبه الوظيفي.

ومن ثم جاءت المحطة الأبرز في حياتي المهنية، وهي المشاركة في تأسيس المؤسسة العربية المصرفية «ABC». بقيت هناك قرابة 20 عامًا، وتدرجت في عدة مناصب حتى أصبحت رئيس مجلس إدارة ومؤسس «ABC الإسلامي».
لاحقًا انتقلت إلى مجموعة البركة المصرفية، وكانت موجودة آنذاك كوحدات مصرفية منفصلة في عدة دول، لكن لم تكن هناك مجموعة موحدة تجمعها تحت مظلة واحدة. وبعد فترة قصيرة توليت منصب الرئيس التنفيذي لبنك البحرين الإسلامي لمدة سنتين، قبل أن أعود مجددًا عام 2004 إلى «البركة»، حيث بدأنا رحلة تأسيس المجموعة الحديثة واستمرت هذه الرحلة قرابة عقدين من الزمن.
عندما أنظر اليوم إلى هذه المسيرة أجد أنها امتدت لأكثر من 45 عامًا، مرت خلالها المنطقة بظروف اقتصادية وسياسية معقدة، من أزمات مالية وحروب وتقلبات اقتصادية، لكننا كنا دائمًا نؤمن بأن التحديات تصنع الفرص.

■ تجربة تأسيس مجموعة البركة المصرفية تُعد محطة فارقة في تاريخ الصيرفة الإسلامية، كيف تصفون تلك المرحلة؟
- بصراحة أعتبر تأسيس مجموعة البركة المصرفية تجربة استثنائية، بل وأقول دائمًا إنها تستحق أن تُدرّس في الجامعات والمعاهد المصرفية.
في العادة تكون هناك شركة أم قائمة، ومنها تتفرع البنوك والوحدات التابعة، لكن في «البركة» كان الوضع مختلفًا تمامًا؛ الوحدات المصرفية كانت موجودة في عدة دول، بينما الشركة الأم لم تكن موجودة بعد. وهذا خلق تحديًا إداريًا وتنظيميًا وقانونيًا كبيرًا.


أتذكر أن الشيخ صالح كامل - رحمه الله - كان متحمسًا جدًا لفكرة إنشاء مظلة موحدة لمجموعة البركة، وكان يؤمن بأن البنوك الإسلامية بحاجة إلى كيان قوي قادر على المنافسة عالميًا.
كما أتذكر حديث الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة، محافظ مؤسسة نقد البحرين آنذاك، عندما قال لي إن المهمة لن تكون سهلة، لأن وحدات البركة كانت موزعة في أسواق مختلفة وصعبة من ناحية الإدارة والتواصل والأنظمة. لكنني كنت أحب التحديات، وكنت أرى أن المشروع يمكن أن ينجح إذا تمت إدارته بطريقة احترافية.


العامل الذي ساعدني كثيرًا هو العلاقات الواسعة التي كونتها خلال عملي في «ABC»، سواء مع البنوك المركزية العربية أو المؤسسات الدولية. هذه العلاقات فتحت لنا الأبواب وسهّلت عملية نقل ملكيات الوحدات إلى المجموعة الأم في البحرين.
ومن الإنجازات المهمة في تلك المرحلة أننا نجحنا في الحصول على تصنيفات ائتمانية دولية وإسلامية للمجموعة، في وقت لم تكن البنوك الإسلامية تحظى بتصنيف واضح في الأسواق العالمية. كما أطلقنا أول صكوك لبنك إسلامي، وهي «صكوك البركة»، وكان ذلك خطوة مفصلية في تطور الصناعة المصرفية الإسلامية.

■ تحدثتم عن التصنيفات الائتمانية.. كيف كانت بدايات إدخال ثقافة التصنيف إلى المنطقة؟
- أول من جلب شركات التصنيف العالمية إلى المنطقة العربية كان الأستاذ عبدالله السعودي - رحمه الله -. في أواخر الثمانينيات تواصل مع وكالات عالمية مثل «موديز» و«ستاندرد آند بورز» وطلب منها دراسة وتصنيف «ABC».
في ذلك الوقت كانت هناك معضلة كبيرة؛ كيف يمكن تصنيف بنك بينما الدولة نفسها لا تمتلك تصنيفًا سياديًا؟ البحرين آنذاك لم يكن لديها تصنيف ائتماني رسمي، لكن بفضل قوة النظام المصرفي البحريني والبيئة التنظيمية المتقدمة حصل «ABC» على تصنيف مرتفع جدًا بلغ «A-».


لكن شركات التصنيف العالمية كانت تنظر إلى منطقتنا بنظرة مختلفة، لأنها اعتادت على أسواق مستقرة مثل أوروبا وأمريكا، بينما منطقتنا كانت تتعرض لتقلبات سياسية وحروب تؤثر في تقييماتها.
لهذا السبب كنت دائمًا أطالب بإنشاء شركة تصنيف خليجية مقرها البحرين، بالشراكة مع إحدى وكالات التصنيف العالمية الكبرى، بحيث تكون أقرب إلى فهم طبيعة أسواق الخليج والمنطقة العربية، وتمنح تقييمًا أكثر واقعية للمؤسسات المالية الخليجية والإسلامية.

■ كيف تقيّمون الدور التاريخي للقطاع المصرفي البحريني في المنطقة؟
- الكثير من الناس لا يعرفون حجم الدور الذي لعبته البحرين في النهضة الاقتصادية العربية. البحرين لم تكن مجرد مركز مصرفي محلي، بل كانت مركزًا ماليًا إقليميًا يدير تمويلات ومشاريع ضخمة حول العالم.
المؤسسة العربية المصرفية «ABC» وبنك الخليج الدولي لعبا دورًا محوريًا في إدارة القروض المشتركة وتمويل المشاريع الكبرى في المنطقة العربية وخارجها.


على سبيل المثال، كان لـ«ABC البحرين» دور في تمويل مشروع النفق الرابط بين بريطانيا وفرنسا، وهو من أكبر المشاريع الهندسية في العالم. كذلك قمنا بترتيب تمويلات ضخمة لجمهورية فرنسا وصلت إلى أربعة مليارات دولار في الثمانينيات.
في ذلك الوقت لم تكن البنوك الخليجية الأخرى تمتلك الخبرة الكافية لإدارة القروض المشتركة المعقدة، ولذلك كانت البحرين هي التي تقود هذه العمليات.

■ البحرين تُعرف أيضًا بريادتها في التكنولوجيا المالية.. كيف تنظرون إلى هذا التطور؟
- البحرين سباقة في قطاع التكنولوجيا المالية «FinTech»، وهذه حقيقة يجب أن يعرفها الجميع. كثير من الدول المتقدمة كانت تشير إلى البحرين كنموذج متطور في التشريعات المالية والتقنية.
ويحسب هذا الإنجاز بشكل كبير إلى مصرف البحرين المركزي وإلى المحافظ السابق رشيد المعراج، الذي كان يمتلك رؤية متقدمة جدًا في هذا المجال.

■ كيف ترون تطور البنوك البحرينية من ناحية التنافسية؟
اليوم البنوك البحرينية وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها قادرة على منافسة البنوك العالمية الكبرى، سواء من ناحية الخدمات أو التكنولوجيا أو الكفاءات البشرية.
ولهذا السبب نرى بعض البنوك الأجنبية تنسحب من بعض القطاعات في السوق البحريني، خصوصًا قطاع التجزئة، لأن البنوك المحلية أصبحت تقدم خدمات منافسة جدًا وبكفاءة عالية.
كما أن البنوك البحرينية تتمتع بسيولة قوية وملاءة رأسمالية مرتفعة، والبحرين كانت من أوائل الدول التي رفعت معيار ملاءة رأس المال إلى 12% في وقت كانت المعايير العالمية عند 8%.

■ بعيدًا عن العمل المصرفي.. ما أبرز الجوائز والأوسمة التي تعني لكم شخصيًا؟
- الحمد لله، حصلت على العديد من الجوائز والأوسمة خلال مسيرتي، لكن يبقى وسام جلالة الملك من أكثر الأوسمة التي أعتز بها، لأنه يحمل قيمة معنوية كبيرة بالنسبة لي ولعائلتي.
كذلك أعتز بكوني أصغر رئيس لاتحاد المصارف العربية، حيث توليت رئاسة الاتحاد في سن 41 عامًا، وهو أمر لم يكن معتادًا آنذاك، لأن هذا المنصب كان غالبًا يُمنح لشخصيات مصرفية أكبر سنًا.


ومن الجوائز المميزة أيضًا «فريمان لندن»، وهي شهادة تاريخية عريقة في بريطانيا تعود لقرون طويلة، إضافة إلى حصولي مرتين على جائزة أفضل مصرفي في قطاع البنوك الإسلامية.
وأعتبر أن هذه الجوائز ليست إنجازًا شخصيًا فقط، بل إنجاز للبحرين أيضًا، لأنها تعكس صورة الكفاءات البحرينية وقدرتها على المنافسة عالميًا.

■ لطالما عُرف عنكم دعم الكفاءات البحرينية.. كيف تصفون تجربتكم مع الكوادر الوطنية؟
- أنا مؤمن جدًا بالكادر البحريني، وكنت دائمًا أقول إن البحريني إذا أعطي الفرصة المناسبة والمرونة الكافية فإنه يستطيع أن ينجح ويتفوق.
خلال عملي في «ABC» و«البركة» كنت حريصًا على استقطاب الخريجين البحرينيين من الجامعات المحلية والخارجية وتدريبهم. واليوم أستطيع القول إن نسبة كبيرة منهم أصبحوا رؤساء تنفيذيين وقيادات مصرفية بارزة.

■ اليوم تديرون شركة «لمرير» للاستشارات.. ما قصة الاسم؟
- اسم «لمرير» يحمل قيمة تاريخية وعائلية بالنسبة إليّ. «المرير» منطقة تقع في سلطنة عمان بالقرب من الفجيرة، وكانت محطة مهمة للسفن القادمة من الهند إلى الخليج.
والدي وأجدادي كانوا من النواخذة، وكانت سفنهم تتوقف في «المرير» للتزود بالمياه وإنزال البضائع، ولذلك كانت المنطقة تُعرف بـ«الهند الصغيرة».
كما أن والدتي من «المرير»، ولهذا اخترت الاسم تقديرًا لهذا الإرث البحري والتاريخي والعائلي.

■ ما الرسالة التي توجهونها اليوم للقطاع المصرفي والبحرينيين بشكل عام؟
- رسالتي دائمًا أن يقدم البحريني نفسه بصورة مهنية ومشرّفة داخل البحرين وخارجها. كنت خلال سفري أعتبر نفسي ممثلًا للبحرين قبل أي شيء آخر، وكنت حريصًا على أن يرى العالم الصورة الحقيقية للكفاءة البحرينية.
لدينا في البحرين كوادر ممتازة جدًا، ولدينا بيئة مصرفية متطورة، وإذا استمر الاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا فستبقى البحرين مركزًا ماليًا مهمًا في المنطقة لسنوات طويلة قادمة.

 

+974 4450 2111
info@alsayrfah.com