30 - أبريل - 2026

   

التدقيق الشرعي الخارجي بين تعزيز الثقة وتحديات التطوير

التدقيق الشرعي الخارجي والداخلي هما الركيزة الأولى في مصداقية البنوك الإسلامية وفي ظل النمو المتسارع للصيرفة الإسلامية، لم يعد الحديث عن التوافق الشرعي مجرد جانب تكميلي، بل أصبح عنصرًا جوهريًا في بناء الثقة واستدامة هذا القطاع الحيوي. وهنا يبرز التدقيق الشرعي الخارجي كأحد أهم الأدوات التي تضمن سلامة التطبيق، وتمنح المتعاملين والمستثمرين درجة عالية من الاطمئنان إلى أن ما يُقدم من منتجات وخدمات يتوافق فعليًا مع أحكام الشريعة الإسلامية.

فالتدقيق الشرعي الخارجي يتجاوز كونه إجراءً رقابيًا تقليديًا، ليؤدي دورًا محوريًا في تقديم تأكيد مستقل ومحايد حول مدى التزام المؤسسات المالية بقرارات هيئات الرقابة الشرعية والمعايير المهنية، وعلى رأسها معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI).

وفي سلطنة عُمان، شكّل الإطار التنظيمي للصيرفة الإسلامية (IBRF) الصادر عن البنك المركزي العُماني خطوة متقدمة في ترسيخ حوكمة الشريعة، من خلال التأكيد على استقلالية الوظائف الرقابية والفصل بين مهام الالتزام والتدقيق، وهو ما يعزز من كفاءة الرقابة ويحد من تضارب المصالح.

إلا أن التطورات المتسارعة في المنتجات المالية الإسلامية، وتعقيد الهياكل التمويلية، تفرض واقعًا جديدًا يتطلب تطويرًا حقيقيًا في ممارسات التدقيق الشرعي الخارجي، بحيث لا يقتصر على الفحص الشكلي، بل يمتد إلى تحليل جوهر العمليات وتقييم المخاطر الشرعية المرتبطة بها.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى وضع معايير واضحة لترخيص المدققين الشرعيين الخارجيين، بحيث تجمع بين التأهيل الشرعي المتخصص، والمعرفة المصرفية، والشهادات المهنية مثل (CSA) و(CIPA)، إلى جانب الخبرة العملية.

كما أن تعزيز الاستقلالية المهنية يمثل حجر الزاوية في فعالية التدقيق، وهو ما يستدعي وضع ضوابط صارمة لمنع تضارب المصالح، من خلال الفصل بين خدمات التدقيق والاستشارات.

ومن التحديات التي تستحق المعالجة أيضًا، غياب منهجيات تدقيق شرعي متخصصة في بعض الممارسات، مما يستدعي تطوير أدلة تدقيق قائمة على تقييم المخاطر.

وفي السياق ذاته، تبرز أهمية إنشاء إطار مؤسسي لضمان جودة التدقيق الشرعي الخارجي، يتولى تقييم أداء المكاتب بشكل دوري، ومنح درجات جودة مهنية.

كما أن تنظيم المهنة من خلال إنشاء سجل رسمي للمدققين الشرعيين، وتأسيس جمعيات مهنية، واعتماد برامج للتعليم المهني المستمر، يمثل خطوة أساسية نحو بناء منظومة مهنية أكثر نضجًا.

ولا يمكن إغفال أهمية الفصل الواضح بين التدقيق الشرعي الداخلي والخارجي، نظرًا لاختلاف طبيعة كل منهما.

وفي المحصلة، فإن تطوير مهنة التدقيق الشرعي الخارجي لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، بما يعزز الثقة واستدامة الصيرفة الإسلامية.

*خبير في التدقيق الشرعي وتطوير المنتجات والرقابة على سياسات وأنظمة البنوك الإسلامية

د. منصور علي القضاة*

+974 4450 2111
info@alsayrfah.com