21 - مارس - 2026

   

حاجة الغرب لاقتصادنا الإسلامي

إن إيصال الإسلام إلى الغرب لا يقتصر على السيف والسنان خاصة في عصرنا الحالي، فلقد أثبت الواقع أن المداخل إلى الغرب متنوعةٌ متعدِّدة، نستطيع النفوذ منها لنستقر في مجتمعاتهم ونسيطرعلى حياتهم بما يجعلوهم مضطرون إلينا بعد أن يعرفوا حقيقة ديننا، ويستشعروا عظمة حقائقه ويقفوا على كُنْه مبادئه، كل ذلك بعد نجلي الإسلام في أحسن صورة ، وندلَّهم إليه بخير دلالةٍ وأوضح سبيل، ولعل من أسهل المنافذ وأوسع المداخل : مدخل المال ونمائه واقتصاده، وحب المال وإن كانت الأفئدة قد فُطرت عليه، والنفوس قد جبلت عليه، إلا أن هذا في نفس الغرب أشد مما هو عليه في نفس المسلم، فإن الاسلام قد هذَب رغبة المسلم من الطمع والشجع، وأصلح همّه بأنه قاسمه مع إخوانه ومجتمعه، وجعل منه نصيبا للآخرة، فوجب على علماء المسلمين أن يبينوا عن محاسن الإقتصاد الاسلامي بأحسن بيان، وأن يتخذوا من المعاملات المالية المتنوعة طرائق عددا لحل مشكلات الغرب المادية، ومَن نظر في الأزمات المالية التي مست الغرب كأزمة 1929 العالمية وأزمة 2008 العالمية والتي مست الاقتصاد الاميركي خاصة وتعدّى ذلك الى العالم بأسره أيقن حاجة الغرب لاقتصادنا الاسلامي.

في زمنٍ مُبكِّر شديد التبكير كتب أبو يوسف صاحب أبي حنيفة كتابه “الخراج”,  وكتب صاحبه محمد بن الحسن الشيباني  كتاب ” الكسب”  ثم جاء أبو عبيد القاسم بن سلام  بكتاب “الأموال” ومثله لابن زنجويه ثم توالى التصنيف والتأصيل والتفريع في مدونات الفقه الاسلامي حتى تطور الأمر الى أن استقل الاقتصاد الاسلامي بعلمٍ خاص به.

ومن المُسلَّم به في ديننا أن العقل وحده ليس مصدرا للاقتصاد، فقد أبان هذا العقل عن عجزٍ وقصور، ويزعم في كل مرة أنه يحتكم إلى التجربة والواقع، وفي كل مرة يثبت هذا اللَّجأ نفسُه الفشلَ، ويعود على نفسه بالإبطال والنقض، ولا يعارض هذا أن نفيد من تجارب غيرنا بعد أن نهذبها ونعرضها على الشرع بتأنٍّ، فينقِّح منها ما يؤدي إلى الحكمة التي نتطلبها ولو من عدونا، والجانب الأخلاقي أهمله الغرب وداس عليه، فلم يحفُل به فكان عاقبة هذا أن داسوا على بعضهم وأكلوا بعضهم، فانهارت القيم بدعوى المادة، فأدى ذلك إلى انهيار المادة أيضا رغم توحش زيادتها في نظرهم، فسارعوا يبحثون عن خلاصٍ لما أصابهم  فما وجدوا في النظم الوضعية طوق نجاة لأزمتهم، حتى اذا استيأسوا وأدركهم الإفلاس استعلنوا الحل الاسلامي رغم بغضهم للاسلام

بعد الأزمة العالمية في 2008 في شهر مارس بالضبط، دعت الفاتيكان إلى اعتماد نظام المالية الإسلامية , وذلك في مقال ورد في صحيفة الفاتيكان الرسمية (لوبزيرفاتوري رومانو).

وفي 2009 بعد الأزمة استعلنت  صحيفة لوموند الفرنسية عن طريق الكاتب (آن ميشل) فقال (شرعت تلك الدول الأوروبية في تعديل قوانينها بما يتماشى ومبادئ المالية الإسلامية، الأمر الذي أثار غضب المدافعين عن العلمانية، وقامت بتمويل الأقسام الجامعية الخاصة بدراسة النظم المالية الإسلامية لتخريج خبراء لهم في هذا المجال القائم على مبادئ الشريعة الإسلامية ومن بين ذلك القسم الذي افتتح بجامعة باريس دوفين في 25 نوفمبر 2009م !) دونك فاعجب !!

ومن قبل هذا قال  ليون روشي: إن دين الاسلام الذي يعيبه الكثيرون هو أفضل دين عرفته، فهو دين طبيعي اقتصادي، أدبي, ولقد وجدت فيه حل المسألتين الاجتماعية والاقتصادية اللتين تشغلان بال العالم:

الأولى: في قول القرآن (إنما المؤمنون إخوة) فهذه أجمل المبادئ للتعاون الاجتماعي.

والثانية: فرض الزكاة في مال كل ذي مال، بحيث يحق الدولة الاسلامية ان تستوفيها جبراً اذا امتنع الأغنياء عن دفعها طوعاً.

وقول جاك أوستروي: إن الاسلام هو نظام الحياة التطبيقية والأخلاق المثالية الرفيعة معا، وهاتان الوجهتان مترابطتان لا تنفصلان أبداً.

أما البروفيسور وسيلوزيجيريسكي فيقول: (إنني رجل متخصص في الحضارة والاجتماع، وقد أدهشتني النظم الاجتماعية التي يقررها الاسلام وعلى الأخص الزكاة وتشريع المواريث وتحريم الربا وتحريم الحروب العدوانية، ووجدتني على توافق مع الاسلام ومبادئه التي كنت آلفها من مطلع حياتي، فلا عجب أن دخلت هذا الدين وأخلصت له.)

وبعدُ :

فإن في نصوص الوحيين واجتهادات الصحابة وتأصيلات العلماء الأولين مادة خام وأصول عامة تحتاج إلى جهود حثيثة لبحثها واستكشافها و تكييفها على النوازل، فإن فعلوا ذلك لم يعسر على الغرب أزمة ولا استشكلت أمامهم  معضلة

وهذا الأمر منوط بالعلماء الصادقين أولي الهمة…

فلا ريب أن العالم يقع تحت طائلة الغرب فهو المسيِّر الفعلي لاقتصاد العالم، ولم يتأتَّ له ذلك إلا حين ملك المال والسلطة السياسية ثم عزّز هذين بامتلاك السلطة الاعلامية التي توجه الرأي العام، ولتفكيك هذه الثلاثية التي تحيط بنا وتجثم على صدورنا كان لابد من تشاوربين العلماء وتعاون علمي عملي على أعلى مستوى وأشمله لنحدث التوازن الذي من شأنه أن يتصدى لهذا التغول، ثم استغلال هذه الازمات التي يتخبطون فيها بإذاعة أخلاق الاسلام التي يجب أن يكون عليها طالب المال، فإن الله لما وصف قوم عاد بالثراء المادي أعقب ذلك بذمهم لخلوّهم من إرادة الآخرة والعطف على بعضهم البعض فقال : ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون ) فليس المقصد هو محض الربح وصناعة الثروة وتكثيفها والتوسع على الخلق ولو بالإبادة، بل إن اقتصادنا الاسلامي يخضع للخير والشر ودفع الظلم والبغي، ولا أدل على هذا من انتشار الاسلام بسبب التنظيم المحكم لاقتصاديات السوق والمعاملة التي انبهروا بها، وما رأوه من عدل ورحمة ومحاربة للربا والاحتكار والغرر، بما هو مبثوث في تفاصيل دقيقة في كتب علمائنا

وهذا مرده الى التربية الاسلامية السوية التي ينشأ عليها المسلم في ألفاظه وسلوكه ونيته على حد السواء، فقد أمرنا الاسلام ان نتلفظ لنتذكر فنقول (لا خلابة) وأن نراعي سلوكنا فلا نظهر جيد السلعة فوق رديئها، وأن ننوي نفع الخلق وعمارة الارض حتى كلمة “الاقتصاد”عندنا خير مماهي عند الغرب فعندنا من باب  “القصد” فلابد من نية، وعندهم محض “التوفير” التي تعنيها كلمة “Economy” كل هذا ينشأ عليه المسلم من حديث النبي صلى الله عليه و سلم (انما الاعمال بالنيات)

وليس لهذه الافتتاحية ان تفصِّل القول، ولكنها اشارات تدفع للبحث عن التفاصيل في مظانها

يقول الشيخ محمد الغزالي :

(وكما أن الدين لا ينتفع بتابعه الهيّن، فإن التابع الهين لا يحسن الانتفاع مما سيق إليه، من مواريث نفيسة، ولا مما أحيط به من مبادئ غالية، كالجاهل الذي يلقي نفسه في مكتبة حافلة أو الممعود الذي يواجه مائدة مفعمة.)

ياله من دين لو كان له رجال…

فلا يكون الغرب أكيس منا ففي حين أنّا نبذنا اقتصادنا وراءنا ظهريا،  يهرع الغرب إليه ليحدوا فيه ضالتهم

صدَّرالاقتصادي الفرنسي (فرانسوا بيرو) رسالته للدكتوراه في عام 1926 بالآية القرآنية ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾…!!

والسلام

وكتب

المُتحنِّنُ إليهم

بن جدو بلخير

المشرف العام

أ. بن جدو بلخير – الجزائر

+974 4450 2111
info@alsayrfah.com